محمد بن زكريا الرازي
552
الحاوي في الطب
الحدة وتعرف ابتداء النوبة الأولى وتزيدها واحد مشترك . فإن قيل : كيف يمكن أن تعلم أن المرض في اليوم الأول قد بلغ منتهاه ؟ قلنا إنه لا يمكن ذلك - أو يكون أولا بعلامات النضج عارفا . فإن الذي يعرض في نضج الكيموسات يشبه ما يعرض للأعضاء الوارمة . وقال أبقراط : أن الوجع والحمى يعرضان في وقت تولد المدة أكثر مما يعرضان إذا تولدت ، فكما أنه ليس يمكن بعد ما ينضج الورم حمى صعبة متناهية الشدة كذلك ليس يمكن بعد أن ينضج الورم أن يرسب في البول ثفل حميد أن تكون للحمى صولة . فأما إن لم يكن الرسوب في أسفل لكن إنما كانت - مع أنها حميدة - إما طافية وإما متعلقة فلم يأت بعد منتهى المرض وأكثر من ذلك إذا لم يظهر شيء من هذه البتة بعد ألا يكون المرض من الأمراض التي للصفراء فيها قوة قوية جدا ، فمن تفقد بعناية جميع العلامات التي ذكرنا كثيرا لم يخف عليه وقت من أوقات المرض ، لكنه إن كان المرض حادا عرف كل وقت من أوقاته في حال حضوره على الحقيقة والاستقصاء ، وتقدم فأنذر قبل حدوثه بقليل أنه يحدث عن قريب فإن كان المرض طويلا علم متى يكون كل واحد من أوقاته قبل حدوثه بزمان طويل بالحدس وكلما تمادى به الزمان وقرب حضور وقت كانت تقدمة المعرفة منه أبين وأوضح ، وبالجملة فقد ينبغي أن تعلم أنه ما لم يظهر علامة بينة تدل على النضج فذلك الوقت كله إنما هو ابتداء المرض وتقدر أن تخبركم بقي إلى أن تظهر تلك العلامات البينة الدالة على النضج من قبل طبيعة ذلك المرض وحركته ، ومن قبل أوقات السنة ، والبلد والسن والمزاج ؛ وذلك أنه إن كان المرض في طبيعته طويلا - كالحمى النائبة في كل يوم - ورأيتها تتحرك مع ذلك حركة بطيئة وكانت حرارتها مدفونة مغمورة والوقت شتاء والبلد بارد والسن والمزاج باردين احتيج في ظاهر العلامات الدالة على النضج إلى زمان طويل ، وينبغي أن تعد ذلك الزمان كله ابتداء المرض . فأنزل أن الحمى النائبة كل يوم حدثت في الشتاء في بدن من هذه حاله ، وكان البول مع ذلك رقيقا أبيض . أقول : إنه لا تظهر علامات بينة تدل على النضج في هذا المرض في اليوم السابع ولا في اليوم الرابع عشر ، فضلا عما قبله . وعلامات النضج التام : الثفل الراسب الأملس المتصل وعلامات النضج الخفية الضعيفة انتقال الماء من المائية إلى الصفرة القليلة . وإن انتقل البول أيضا من حال الرقة إلى التثور ثم بقي بحاله بعد أن يبال فلم يتميز فذلك من علامات النضج الضعيف الخفي . والبول أيضا الأصفر المشبع إذا كان رقيقا فهو من هذا الجنس . وليس تدل واحد من هذه العلامات على أن وقت ابتداء المرض قد انقضى ، لأنه يحتاج في ذلك إلى علامة أبين من هذه العلامات وهي غمامة بيضاء مستوية متصلة إما طافية وإما متعلقة . والغمامة التي لونها أحمر قان والثفل الراسب الذي لونه هذا اللون والبول الذي لا ثفل له إلا أنه حسن اللون ، فإن النفث المسمى بزاقا هذا هو العديم الحمرة والصفرة والزبدية واللزوجة والاستدارة السهل الخروج - وقد وصفناه في باب ذات الجنب نظير الثفل